24.11.09

* لأمي.. ألفُ شكراً




وأخيراً.. عدتُ إلى مدونتي بعد أن نسيتها تماماً, بعد أن فقدتْ زوّارها القليلين وفقدتني كما تفقدُ هويةٌ حاملَها. عدتُ بعد أن كادت تندفن صفحاتها القليلة في زحمة الأيام. وها أنا أتذكر أن سعادةً ما لمستْ أطراف أصابعي وطرف قلبي حين تعرفتُ على عالم التدوين, وحين قررت افتتاح هذه المساحة الدافئة في هذا الفضاء اللانهائي. وأذكر أني أهديتُ التدوينة الأولى إلى أمي في عيدها, فلا بشر قبلها – كائن من كان- أو بعدها يستحق ذلك. وأني عزمتُ على ردّ هذا الجميل لهذا العالم من خلال المساحة ذاتها, فكان ذلك في التدوينة الأولى التي قرعت بابه وهي تنادي بأهله: افتحوا.. إني أتيت لأشكركم!

وها هو نور أمي بعد انقطاعٍ طويلٍ يتسللُ إلى عتمة روحي المنغلقة منذ حرب الغباء الأخيرة. ها هو الآن يتسللُ دون أن يقرع باب الروح, فأهرول كي أضمّه وأشمّه, وأقول.. أضمّك وأشمّك لأزيدك شكرا!

أمي: الكهربا أجت وانتا قاعد ع العتمة؟!
- مهوا عشان قاعد باكتب يا حجة.
أمي: طب قوم اضوي الضو يا ابنية عشان تكتب.
- منا عشان بكتب بديش اضوي
أمي: طب اجيبلك تتغدا؟
- لا لا بديش هلقيت.. مش فاضي قاعد باكتب.
أمي وهي تتركني: أبصر ماله الولد.. شكله انجن!
- والله صدقتي.. قاعد ومنا عارف أبصر مالي يامّة!!
...
أقللك.. هاتي العدس!

13.1.09

مشهدٌ في روايةٍ أبدية



قبل أيام قليلة وعلى غير عادتي, كنت قد استيقظت مبكراً, وصعدت لسطح البيت كي أكمل ما قرأته في ساعات الليل الأخيرة من رواية " زوربا " للكاتب اليوناني (نيكوس كازانتزاكي), وبينما أنا مستمتعٌ بشعاع الشمس الصباحيّ وبشخصية زوربا النادرة المدهشة, أمطرتنا طائرات الاحتلال الإسرائيلي بمنشورات تحذيريّة, قطعت حبل التماهي مع روايةٍ في كتابٍ, ورمتني لأقرأ بعضاً من روايةِ الشارع!

نصبت قامتي على بلكونة سطح البيت ورحت أراقب الوجه الجمالي في الرواية, كان منظر المنشورات وهي تطير إلينا أشبه بجموع من حَمامَات السلام, وكانت لحظة وصول المنشورات لتسلِّم رسالة أهل السماء إلى سكان هذي الأرض تحديداً, كانت اللحظة الأكثر حَمِيمِيّة, حيث تسارع الشبابُ إليها قبل أن يتصارع عليها الصبيان, وكأن كل واحدٍ منهم يريد أن يكون نبيّ بيتهِ الجديد!

كان المشهدُ جميل جداً من زاويتي, ضحكتُ كثيراً في أول الأمر – لا أدري سبب ذلك- وتأمّلتُ المنشورات طويلاً وهي تسقط ببطء. تأملتُ الناس وهم يصرخون بأصوات غير واضحةٍ كأنهم يستعجلون وصولها. كان المشهد أروعَ مما ظننتُ, فقررتُ أن أعيشَهُ بكل تفاصيله, ورحتُ أراقب أقرب المنشوراتِ إلى سطح بيتنا, مرّ منشورٌ من أمام عينيّ, قريباً جداً مني, كأنه يكيدني. صمَّمتُ على التقاطه, قفزتُ قدر استطاعتي, لكن خوفي من وصول الإسفلت قبله أرغمني على الاستمرار في دور المشاهد, ووقفت أندب حظي, بينما مرّ المنشور بهدوء قاتلٍ, حاملاً رسالته إلى نبيٍّ آخر.

لم يكن سوء حظي كبيراً كما اعتقدت, ولم تُذهِبُ الأقدار جهدي في مراقبة المنشور سديً, فقد سقط المنشورُ أخيراً, وكان ابن جارنا نبيّ العائلتيْن. أسرعتُ للبلكونة في الجهة المقابلة, وصرختُ باسمه: خالد, ياخااالد, اقرأ المنشور بسرعة وارْمهِ لي. قرأ خالد المنشور على عَجَلٍ ولفّه على حَجَرٍ صغيرٍ ثم قَذفَ به إليّ. التقطتهُ سريعاً, فتحته, ورحتُ أقرأ:




إلى سكان قطاع غزة

نشر جيش الدفاع الإسرائيلي قبل عدة أيام مناشير في رفح حذر فيها السكان من عملية وشيكة وأوعز إليهم بإخلاء منازلهم صونا لسلامتهم.

إن انصياع سكان رفح لتوجيهات وتعليمات جيش الدفاع حال دون المساس بالسكان الذين ليس لهم ضلع في الاقتتال.

ستصعِّد قوات الجيش خلال الفترة القريبة من عملياتها الموجهة ضد الأنفاق ومخازن الوسائل القتالية والعناصر الإرهابية في كافة أرجاء القطاع.

من أجل سلامتكم وسلامة عائلتكم إنكم مطالبون بالامتناع عن التواجد بالقرب من العناصر الإرهابية ومخازن الوسائل القتالية ومواقع تتم منها عمليات إرهابية.


يرجو جيش الدفاع الاستمرار على هذا النهج في الانصياع للتعليمات الموجهة إليكم عبر كافة الوسائل.


قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي



بعد أن انتهيتُ من قراءةٍ مكُّوكيّةٍ للمنشور, لاحتْ لي فكرةٌ خبيثةٌ لا تخلو من طرافة, دفعتني إليها حماستي الشديدة, وانهماكي الطفوليّ في تفاصيل اللحظة وجمالها. عُدتُ سريعاً إلى البلكونة الأمامية الموازية للشارع حيث جمهور الحارة يتهافت على كل منشور يصل الأرض, كأنّ رسالته ستكون مختلفة عن سابقتها. انتظرتُ حتى فرغ الجميعُ من التقاط المنشورات, حيث وصلتْ جميعها إلى أيدي الشبابِ المتناحرة. هذه اللحظة بدت لي أنها الأنسب لتنفيذ الفكرة, أسرعت للغرفة المجاورة وقطعت ورقة تكبرُ حجم المنشور قليلاً, وألقيتُ بها متقمصاً دور السماء التي تهزأ بأهل الأرض من حينٍ لآخر, كان المشهد سخيفاً, يكشف لي عن معنىً أكبرُ كلما اقْتربت الرسالة من منتظريها, بدا المشهدُ مثيراً للسخريةِ, إذ أنّي اكتشفتُ أشياءً بدت لي واضحةً من مجرّد موقفٍ اختلقته تواً, أشياء كثيرةً ومهمةً, عكفتُ طويلاً على القراءة من أجل الوصول إليها. بدا المشهدُ مثيراً للشفقة أيضاً, إذ أني كنتُ أعرف تماماً أن الرسالة لا تحوي غير خطوط زرقاء فاتحةٍ على ورقة بيضاء. بدا المشهدُ مثيراً للسخريةِ والشفقةِ في آن!

لم يكفِني أني قرأتُ أقصر الكتب السماوية التي وصلت سكان الأرض, وبعثتُ برسالة أخرى كي تكتمل تفاهة الموقف, بل أسرعت مهرولاً, قاطعاً خمس طوابق على درج البيت الذي أحفظه كجدول الضرب. كانت دكان أخي ( أبو نضال) مزدحمةً بأهل الحارة الطيبين, كانت صاخبةً كحانةٍ وسط هافانا أو كاراكاس إذ يعلو صوتُ الصيحات والضحكات دون تذمرٍ من أحد.

كانت دكان ( أبو نضال) تعطي مساحةً كبيرةً لأهل الحارة في تداول الجدال العقيم فيما بينهم, والنقاش المُملّ والمضحك أحياناً, وغير المنتهي. وكنت أعرف بشكلٍ قطعيّ أن هذه المناسبة ستمنح المحللين السياسيين منهم مساحة أخرى تقتل مللهم اليوميّ, وتسدّ الفراغ الذي كانت تملؤه الكهرباء, وشاشات التلفزيون!

بدأ الجميع يستمع لتحليل وجهاء الحارة المستعدين دوماً لأي طارئ سياسي على الساحة الدولية قبل المحلية, ومخططي سياساتها في مواجهة الأزمات التي تعصف بها. كيف لا؟ فهم من قاموا قبل ذلك بالتصدي للتحدي الأصعب, والخطر الأكبر الذي كان يهدد إسفلت الحارة, حين ساهموا بالتخلص من رائحة المجاري وآبارها للأبد.

أسرع ( أبو نضال) للدلو بدلوه باعتباره صاحب الحظ الأوفر من استضافة الوجهاء, وبدأ الآخرون من ورائه يطلقون العنان لألسنتهم التي لا يتسلل شكٌ إليها في أنها قد تكون مخطئةً حين تتدخل في السياسات العليا للإمبراطوريات العظمى, فكيف الحال مع مجرّد حفنةٍ من قصاصات الورق الطائرة!

إن إلقاء هذه المنشورات يأتي في إطار الحرب النفسية التي ترافق أي حرب – قال فلان. لا.. لا.. هذا كلام إعلام, وانحراف واضح عن حقيقة الأمر, إن جيشاً بهذا الإجرام لا يبحث عن اللعب بنفسيّاتنا, ولا ينتظر علينا كثيراً, فهو يقتل مباشرةً ولا يبالي بدقائق الأمور كما نظن, إن هذا الجيش نازي, لا يهمه سوى القتل, لكنه يلقي بهذه المنشورات خوفاً من زيادة عدد الضحايا المدنيين الذي بدوره سيفضحه على قناة الجزيرة الفضائية – قال آخر. ثم قال ثالثٌ, رابعٌ... إلى أن مللتُ منهم وغبتُ. أما أختي الكبرى فقالت حين زرتها في مساء يومها: إنّ إسرائيل ألقت بهذه المنشورات كي تغطي حربها إعلامياً, فهي بارعة في هذا المجال على حدّ علمي ( أرى أن أختي شرفتني كثيراً برأيها المتواضع, وإن لم أتفق معها, لكنه رأي يأخذ بالقضية إلى بعدٍ استراتيجيّ لا يتجاوزهُ إلا ذوي العقول المتحجِّرة, والأفق الأعمى).


11.1.09

نومُ الحَربْ

__
لا جديدَ, أعرفُ ذلك جيداً, أعرف ألا مُنتصرَ في حَربٍ.. وأنّ الخَبيثَيْنِ مَهزُوميْن. أعرفُ أنّ الحربَ واحدةٌ, لا فرقَ بينَ قاتلٍ ومقتول. فَنيَّة القتلِ مُبيَّتةً وصَافِية!

__
لا جَديدَ يَسُرُّ العينَ.. ولا جديدَ بعدَ هَذا كي تَلْتئِمَ الرّوحْ. شاشاتٌ إخباريةٌ تبثُّ أفلامَ رُعبٍ حَقِيقية.. تبعثُ على التقزُّزِ, وتَطْعنُ القلْبْ!

__
أعرفُ ألا جَديدَ علينا.. خَوفٌ, دَمارٌ, اختِلالٌ واضحٌ في العَقلِ, في القلْبِ, وفي مِيزانِ القُوى. مكابرةٌ, مقامرةٌ على دِماءِ الأبرِياءْ, عبثٌ, كَذِبٌ على المَلأْ, مَوْتٌ على المَلأْ, غَباءٌ واضِحٌ في الأفُقِ, وأهدافٌ تافِهة!

__
جَديدٌ واحدٌ في هَذهِ الحَربُ, جديدٌ وَاضِحٌ, جديدٌ يَزِيدُ العَتْمةَ التي تَسْكُنُ قلبَكَ, جديدٌ تَمَخَّضَ منْ خَوْفٍ عَمِيقٍ على أُمِّـكَ, على رُوحِكَ, على أُخْتِكَ.. على خَمْسِينَ رُوحْ!

______
جديدٌ يُمْلي عَلَيكَ شُرُوطَهُ, نَومٌ في نَهارٍ كأنّهُ ليلْ. وليلٌ حَرِيقٌ إذْ تُمارِسَ النّهارْ.

3.1.09

كأنّي بِكَ


-

آهٍ لوْ كانَ الوَعْيُ حَاضِراً.. لو كُنتُ أعرِفُ أنّي لم أولدُ بعدُ.. أنّي في جَنّةِ الغَيبْ.. بعِيداً عنْ هذا الحُضُورِ الكَرِيهْ.. أنّي لا أزالُ في الطّريقِ إلى هُنا.. ولا تَزَالُ الفُرْصَةُ سانِحةً للاخْتِيارِ بينَ كوابيسِ الأبـدْ.. بينَ اللا بِدَايةِ واللا نِهايَة!

/

آهٍ يا أمّي لو كنتِ تعلمينْ.. لو كنتِ تعلمينَ لَمَا فَرِحْتِ بِسِرِّكِ المدفُونُ مُنذُ تِسْعةِ شُهُور! منذُ تسْعةِ شُهورٍ وأنتِ تُلوِّنِينَ الحِكاياتْ.. تُلمِّعِينَ الغِناء!

وآهٍ يا أمّي لو تعلمينَ سِرَّ البحْرِ, آهٍ يا أمّي.. آهٍ لو تأكلينَ الصخْرَ لأجْلِي.. لو تَنامِينَ في العَراءْ.. لو تنْدَمِينَ على لَوْنِ الإطَارِ في حِكايةِ مُوسى.. وتَنْزعِينَ منْ يَدِي عَصَا الشَّقاء!

//

كأنّي بِكَ يا أبي.. كأنّي بِكَ والبسْمةُ تشرقُ في مُحيَّاكَ الأسمَرْ.. تهنِّئ أمّي بالصّبِي الشقِي.. والآخرونَ فرِحُون!

كأنّي بِكَ والسّيجَارَةُ " الإمْبِريال" بينَ شَفتَيكَ البُنِّيتَينْ.. والدُّخّانُ يُغَطّي رَأْسَكَ الأصْلَعِ, ويَغْشَى عَيْنَيكَ البَرِيئَتَينْ.. كأنّي بِكَ وأنتَ تَحْمِلُني بِيَدَيكَ النحِيلَتَينْ.. وأنتَ تَرْقُصُ بِي.. وأنتَ تَركُضُ في طَرِيقٍ مُظْلمٍِ.. لا تَدْرِي لِمَا يَبْدأ؟ ولا أدرِي إلى أين؟!

آهٍ يا أبي لو كنتَ تعلمْ.. آهٍ يا أبي.. آهٍ يا أبي وألفُ آهْ. آهٍ لو هَمسْتَ لي.. آهٍ لو صَدَقْتنِي.. لو نصَحْتَني.. لو نهَرْتني.. لو منَعْتَني.. آهٍ يا أبي.. آهٍ لو قتلْتَني!

31.12.08

هابي نيو يير




"
في هذه الساعة من اليوم الأخيرْ, في هذا العام الفقيرْ, في هذه الغرفة من البيتِ القديمْ, في هذا البلدِ العديمْ, في هذه اللحظة العرْجاءْ, يبدو جَلِياً لنا أننا أحياءْ, وأنّ الموتَ ضعِيف!

"
في هذا اليوم يسرقُنا الحنينْ, يجرحُنا الأنينْ, في هذا اليوم نصيرُ على يقينٍ متينٍ بأنّ الأيامَ تنحازُ للصّدرِ الذي يتنفّسها, إذ تتخلّى عن شبابِها كما نتخلّى عن شبابِنا ونَشِيب!

"
هذا اليوم ليس فقط آخرَ أيام العامْ, فيبدو أنه آخرَ الأحلامْ, آخرَ الأمنِياتْ, آخرَ الكلامْ, آخرَ الأفكارْ, آخرَ الأزهارْ, آخرَ السلامْ, آخرَ كلّ شيءٍ, وآخرَ ناسٍ آخرِين!


&


لهذا اليوم رائحةٌ كريهةٌ
سماءٌ كريهةٌ.. أرضٌ كريهةٌ
ساعاتٌ كريهةٌ.. عاداتٌ كريهةٌ
كرهٌ كريه!

ولهذا اليوم وجهٌ كريهٌ.. نومٌ كريهٌ
شتاءٌ كريهٌ.. عناءٌ كريهٌ.. عماءٌ كريهٌ
صوتٌ كريهٌ.. صمتٌ كريهٌ
ماء كريهٌ.. جوعٌ كريهٌ
موتٌ كريه!

12.11.08

صلاة




.
حين الريحُ تجري بأمرها
تحت السماءِ وفوق الماءْ

.
حين الخريفُ حزينٌ يسلق حزن الأشجار
يصلبُ أغصان المشاةِ في العراءْ

.
حين تمرّ الأسماء فارغةً على القلبِ
حين أشياءٌ/ وأشياءْ..
يعودُ متكئاً على دمعهِ
يُشعل عشرةً جِهة السماءْ

.
إليك الشموع يا عقيمةً
يا ربّة الشتاءْ!

6.9.08

ويا موت انتظر

/

وكلٌ شيءٍ أبيض
البحر المعلٌق فوق سقف غمامةٍ
بيضاء. والٌلا شيء أبيض في
سماء المطْلق البيضاءِ. كنْتُ، ولم أكنْ.
فأنا وحيدٌ في نواحي هذه الأبديٌة البيضاء.
جئت قبيْل ميعادي
فلم يظْهرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي: (( ماذا فعلت، هناك، في الدنيا؟ ))
ولم أسمع هتاف الطيٌِبين، ولا أنين الخاطئين
أنا وحيدٌ في البياض
أنا وحيدُ

لاشيء يوجِعني علي باب القيامةِ
لا الزمان ولا العواطف.
لاأحِسٌ بخفٌةِ الأشياء أو ثِقلِ الهواجس.
لم أجد أحداً لأسأل: أين (( أيْني )) الآن؟ أين مدينة الموتي، وأين أنا؟
فلا عدم هنا, في اللا هنا, في اللازمان
ولا وجودُ


وكأنني قد متٌ قبل الآن
أعرف هذه الرؤيا، وأعرف أنني أمضي إلي ما لسْتُ أعرف.
ربٌما ما زلتُ حيٌا في مكان ٍ ما
وأعرف ما أريدُ
سأصير يوما ما أريدُ

/

هذا البحر لي
هذا الهواء الرٌطْب لي
هذا الرصيف وما عليْهِ من خطاي وسائلي المنويٌِ لي
ومحطٌة الباصِ القديمة لي. ولي شبحي وصاحبه. وآنية النحاس وآية الكرسيٌ
والمفتاح لي والباب والحرٌاس والأجراس لي
لِي حذْوة الفرسِ التي طارت عن الأسوار
لي ما كان لي. وقصاصة الورقِ التي انتزِعتْ من الإنجيل لي
والملْح من أثر الدموع علي جدار البيت لي
واسمي، وإن أخطأت لفْظ اسمي بخمسة أحْرفٍ أفقيٌةِ التكوين لي:
ميم / المتيٌم والميتٌم والمتمٌِم ما مضي
حاء / الحديقة والحبيبة، حيرتانِ وحسرتان
ميم / المغامِر والمعدٌ المسْتعدٌ لموته الموعود منفيٌا، مريض المشْتهي
واو / الوداع، الوردة الوسطي، ولاء للولادة أينما وجدتْ، ووعْد الوالدين
دال / الدليل، الدرب، دمعة دارةٍ درستْ، ودوريٌ يدلٌِلني ويُدْميني


وهذا الاسم لي ولأصدقائي، أينما كانوا
ولي جسدي المؤقٌت، حاضراً أم غائباً
" مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن"
لي مِتْر و75 سنتمتراً, والباقي لِزهْرٍ فوْضويٌ اللونِ، يشربني علي مهلٍ
ولي ما كان لي: أمسي، وما سيكون
لي غدِي البعيد، وعودة الروح الشريد, كأنٌ شيئاً لم يكنْ
وكأنٌ شيئاً لم يكن
جرحٌ طفيفٌ في ذراع الحاضر العبثيٌِ
والتاريخ يسخر من ضحاياه ومن أبطالِهِ
" يلْقي عليهمْ نظرة ويمرٌ"
هذا البحر لي
هذا الهواء الرٌطْب لي, واسمي
­وإن أخطأت لفظ اسمي علي التابوت ­لي.
أما أنا ­ وقد امتلأت بكلٌِ أسباب الرحيل
­فلستُ لي.


أنا لستُ لي
أنا لستُ لي..